محمد متولي الشعراوي
4055
تفسير الشعراوى
وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ ( 24 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 25 ) كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ ( 26 ) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 28 ) [ سورة الرحمن ] وكل نعمة يقول بعدها : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ * وأراد سبحانه بذلك أن يكثر ويردد تكرارها على الآذان لتستقر في القلوب حتى في الآذان الصماء ؛ فمرة يأتي بها في شئ ظاهره أنه ليس نعمة ، مثل قوله : يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ ( 35 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 36 ) [ سورة الرحمن ] وجاء الحق بذكر كل ذلك ؛ لأنه ساعة يجلى لنا الأمور على حقائها ونحن في دار التكليف فهذه رحمة ونعمة منه علينا ؛ لأن ذلك يدعونا إلى اتقاء المحظورات والبعد والتنحى عن المخالفات . ولله المثل الأعلى من قبل ومن بعد ، فحين يدخل الابن إلى المدرسة نقول له : إن قصرت في كذا فسوف ترسب ، وأنت بهذا القول ترحمه بالنصيحة ، فلم تتركه دون أن تبصره بعواقب الأمور ، وأيضا ساعة ترى شرا يحيق بالكافرين ، فإن هذا الأمر يسرك ، لأنه لو تساوى الكافرون مع المؤمنين لما كان للإيمان فضل أو ميزة ، فالعذاب نقمة على الكافر ، ونعمة على المقابل وهو المؤمن . وقد جاءت قصة خلق آدم بكل جوانبها في القرآن سبع مرات ؛ لأنها قصة بدء الخلق ، وهي التي تجيب عن السؤال الذي يبحث عن إجابته الإنسان ؛ لأنه تلفت ليجد نفسه في كون معد له على أحسن ما يكون . ولم يجئ الكون من بعد الإنسان ، بل طرأ الإنسان على الكون ، وظل السؤال واردا عن كيفية الخلق ،